المقريزي

177

إمتاع الأسماع

لا بفعل النبي ، وإن كانت أفعال العباد عند المعتزلة صادرة عنهم ، إلا أن المعجزة لا تكون من جنس أفعالهم ، وليس للنبي فيها عند الجميع إلا التحدي بها بإذن الله ، وهو أن يستدل بها النبي قبل وقوعها على صدقة في مدعاه ، فتنزل منزلة القول الصريح من الله بأنه صادق ، وتكون دلالتها على الصدق قطعية ، فالمعجزة الدالة مجموع الخارق والتحدي ، ولذلك كان التحدي جزءا منها ، والتحدي هو الفارق بينهما وبين الكرامة والسحر ، إذا لا حاجة إلى التصديق ، ولا وجود للتحدي ، إلا أن وجد اتفاقا . وإن وقع التحدي في الكرامة عند من يجيزها وكانت لها دلالة ، فإنما هي على الولاية ، وهي غير النبوة ، ومن هنا منع الأستاذ أبو إسحاق وغيره وقوع الخوارق كرامة فرارا من الالتباس بالنبوة عند التحدي بالولاية . ومنع المعتزلة أيضا من وقوع الكرامة ، لأن الخوارق عندهم ليست من أفعال العباد ، وأفعالهم لهم معادة ، ولا خارق . وعند الحكماء : أن الخارق من فعل النبي ، ولو كان في غير محل القدرة ، وبنوا ذلك على مذهبهم في الإنجاب الذاتي ، ووقوع الحوادث بعضها عن بعض متوقف على الشروط والأسباب الحادثة ، مستندة أخيرا إلى الواجب بالذات [ الفاعل ] ( 1 ) لا بالاختيار ، وأن النفس النبوية عندهم لها خواص ذاتية ، منها : صدور هذه الخوارق بقدرته وطاعة العناصر له في التكوين ، والنبي عندهم مجبول على التصريف في الأكوان ، متى توجه إليها واستجمع لها بما جعل الله له من ذلك . والخارق عندهم يقع للنبي ، كان التحدي أو لم يكن ، وهو شاهد بصدقة من حيث دلالته على تصرف النبي في الأكوان ، الذي هو من خواص النفس النبوية عندهم ، لا تنزل منزلة القول الصريح بالتصديق ، فلذلك لا تكون دلالتها قطعية كما هي عند المتكلمين ، ولا يكون التحدي جزءا من المعجزة ، ولم يصبح فارقا لها عن السحر والكرامة . وفارقها عندهم عن السحر : أن النبي مجبول على أفعال الخير مصروف عن أفعال الشر ، ولا يلم الشر بخوارقه .

--> ( 1 ) زيادة للسياق .